مقالات تحليلية

تداعيات أولية لموجة الوباء الثانية

بقلم: حازم عياد

تصاعد المخاوف من موجة ثانية من “كوفيد- 19” دفعت وزير الخزانة الامريكية ستيفن منوشين الى القول: “لا يمكننا إغلاق الاقتصاد مرة أخرى، أعتقد أننا تعلمنا أنه إذا أغلق الاقتصاد فسوف يحدث المزيد من الضرر”.
ضررٌ تجاوز 40 مليون عاطل عن العمل، وعجز بتريليون و900 مليار دولار، وأكثر من 5 ترليونات دولار على شكل قروض وتسهيلات مالية ومساعدات للشركات المتعثرة.

تصريح الوزير منوشين لشبكة “سي.إن.بي.سي” الأمريكية، يوم الخميس 11 حزيران، تَوَافق مع تراجع المؤشرات الاقتصادية، وعلى رأسها أسهم الشركات الصناعية (داو جونز تراجع 3.3% 900 نقطة)؛ فالمخاوف من موجة ثانية تعاظمت في ضوء ارتفاع الاصابات في عدد من الولايات الامريكية (تكساس، وألاباما، وكاليفورنيا)؛ اذ بلغ عدد الاصابات الاجمالي في الولايات المتحدة الامريكية مليوني اصابة، واكثر من 115 ألف وفاة.

مؤشر “داو جونز” سرعان ما تعافى على وَقْع تصريحات منوشين، ليرتفع 800 نقطة يوم الجمعة بعد ان خسر 900 نقطة في اليوم الذي سبقه، غير أن استجابة المؤشر لتصريحات الوزير لن تُوقف العجز المتسارع في الموازنة الامريكية، والذي قارب ترليون و900 مليار دولار.

كما أن عجز الموازنة لن يكبح جماح البطالة؛ فرغم استعادة مليوني مواطن امريكي لأعمالهم، إلا أنهم قطرة في بحر من البطالة بلغت 38 مليون انسان! ما يشير إلى أن القدرة على التعافي بعيدة المنال في الولايات المتحدة الامريكية في ظل ازمة سياسية اجتماعية، وانتخابات رئاسية تزيد المشهد غموضًا وتعقيدًا، بالتزامن مع توسع كبير للمرض في الهند وإفريقيا وروسيا والخليج العربي، وعودة حميدة ما زالت في الصين.

مخاوف دفعت الرئيس الامريكي ترمب هذه المرة إلى تقديم رسالة طمأنة يوم امس السبت بالإعلان عن استعداده القبول بنتائج الانتخابات الرئاسية، وإن أفضت إلى خسارته؛ فالأزمة اصبحت اكبر بكثير من ترمب، ومن الصراع السياسي الداخلي؛ فالاقتصاد الامريكي يعاني من نزيف خطير، والصراع السياسي تجاوز النخب ليتحول الى صراع اجتماعي يُدار في الشوارع والأزقة والساحات بين المتظاهرين والشرطة تارة، وبين الجماعات اليمينية واليسارية المتصارعة تارة أخرى.

هواجسُ الموجة الثانية تدفع الولايات المتحدة للسير بخطى ثابتة نحو الانتخابات الرئاسية، والنصفية للكونغرس يوم 3 نوفمبر القادم؛ ما يعني أن الخيار الأمثل للخروج من الازمة السياسية والاقتصادية الطاحنة بات سياسيًّا؛ فالانقسام السياسي والاجتماعي يربك الخطط الاقتصادية، ويجعل من القرارات الاقتصادية والصحية مثار جدل وتنازع بين الخصوم.

وما ينطبق على امريكا ينطبق على كثير من الدول والكيانات السياسية؛ فـ”كوفيد- 19″ سيعزز الصراعات الداخلية والانقسامات على الارجح إن لم يتم تداركها!

“كوفيد- 19” أدخل الولايات المتحدة والعالم في عنق الزجاجة؛ فرغم تصريحات منوشين التي تعهد فيها بعدم اغلاق الاقتصاد، ورغم تصريحات ترمب بالقبول بنتائج الانتخابات أيًّا كانت، فإن الوضع الاقتصادي والصحي المتدهور لن يتم تجاوزه بسهولة ويسر؛ فالموجة الثانية تتحول شيئًا فشيئًا الى حقيقة مرعبة تعصف بالهند في أمريكا اللاتينية والجنوبية، وأمريكا الشمالية، وإفريقيا، والاهم أنها بدأت تقدم مؤشرات قوية في بكين التي تواجه بؤرة خطيرة في قلب العاصمة الصينية.

الموجة الثانية باتت خطرًا حقيقيًّا يتهدد العالم اقتصاديًّا وصحيًّا، مُشْعلة الهواجس والمخاوف من جائحة صحية واقتصادية أشد خطورة، وأقوى من سابقتها.
فهل يقود الخوف من موجة ثانية الى التواضع، دافعًا الدول والقوى المتناحرة الى تأجيل صراعاتها؟ وهل ستعزز الديمقراطية والتشاركية أم إنها ستطلق جولة جديدة من الصراع أشد وأنكى؟!

إنه سؤال جديد، والإجابة عنه بسيطة: المزيد من الصراع! فهذه طبيعة العالم، وكياناته المهيمنة.

المصدر: السبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق