مقالات تحليلية

كورونا المستجد والأشهر الضائعة

بقلم: حازم عياد

العالم أمام ستة أشهر أخرى بدون لقاح وعلاج مصحوبة بقلق وخوف من موجة وبائية ثانية تخرج عن نطاق السيطرة الاقتصادية والصحية؛ خوف لم يكن بما يكفي لإقناع العامة بالالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي والوقاية الصحية؛ وقلق لم يبلغ مستوى يعطل التصارع السياسي والاقتصادي والعسكري كما عطل عجلة الإنتاج؛ فكوفيد 19 لم يوقف الصراعات بل فاقمها ولم يحسن العادات الصحية والاجتماعية بل أطلق العنان للجوائح النفسية ولنظريات المؤامرة العالمية.

مشهد تغذى على أمل السيطرة والتعايش مع الوباء؛ غير أن عجلة الإنتاج عانت من استعصاء عززه تراجع التعاون الدولي؛ وفاقمه انشغال الولايات المتحدة الأمريكية أكبر القوى الاقتصادية بأزمتها الداخلية الصحية والسياسة مطلقة العنان لمزيد من الاستنزاف الاقتصادي والصحي للأشهر الست المقبلة من العام 2020.

المشرق العربي يتأرجح وبائيا
 
أمام حالة الاستعصاء الوبائي والاقتصاد والسياسي العالمي تأرجح المشرق العربي وبائيا بقوة على وقع الأزمات في ليبيا واليمن والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين المحتلة؛ إلا أن الهزة الأعنف جاءت من الدول الأكثر حضورا واستقرارا في الساحة الاقتصادية والسياسية على رأسها الدول الخليجية.

فبعد شهرين من محاولات احتواء الوباء أعلنت السعودية توقعاتها بارتفاع الإصابات بكوفيد 19 خلال الأسابيع المقبلة؛ ما دفعها يوم الأحد الفائت الموافق 7 حزيران (يونيو) الحالي لإطلاق مشفى ميداني بسعة تقدر بـ 500 سرير في العاصمة الرياض.

لم تمض أيام قليلة على تشغيل المشفى حتى أعلن عن (3717 ) حالة جديدة يوم (10 حزيران / يونيو الحالي) وارتفاع معدل الوفيات ليتجاوز الـ 35 وفاة في اليوم الواحد؛ لتؤكد الأرقام مخاوف المسؤولين في الرياض الذين واجهوا الوباء دون جدوى تذكر لمحاصرته حتى اللحظة.

المشرق العربي الممتد على ضفاف الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر إلى المتوسط يعاني من ضغوط قوية؛ تارة اقتصادية وتارة وبائية وثالثة أمنية وسياسية لدرجة بتنا نشهد قدرا من عدم اليقين لدى الدول الأكثر استقرارا



السعودية التي تجاوزت الإصابات فيها الـ (100 ألف) لم تكن استثناء في المنطقة؛ فالهند تخطت إيطاليا في عدد الإصابات لتبلغ (276 ألف) إصابة وأكثر من 7 آلاف وفاة في الآن ذاته؛ زيادة ترافقت مع توقعات بأن يبلغ عدد الإصابات بحلول شهر تموز (يوليو) المقبل مليون إصابة؛ دفعة عمدة العاصمة (دلهي) للتحذير من انهيار النظام الصحي في المدينة لعدم كفاية الاسرة؛ في حين اعلنت جارتها باكستان تجاوز عدد الوفيات يوم الثلاثاء 9 يوينو الـ 80 حالة في اليوم.

سلطنة عمان لم تكن بعيدة عن المشهد الوبائي المضطرب إذ عادت لتغلق محافظة ظفار يوم أمس الأربعاء 10 حزيران (يونيو) الحالي في وقت سجلت قطر 4 وفيات وأعلنت السودان الإثنين (8 حزيران / يونيو) عن 12 وفاة و161 إصابة جديدة .

الموجة الجديدة امتد تأثيرها إلى مصر التي تجاوز عدد الوفيات فيها الـ 1080 وفاة علما بأنها لم تعلن عن إصابة أكثر من 30 ألف إنسان حينها ما قدم مؤشرات محيرة حول أسباب ارتفاع عداد الوفيات قياسا بعدد الإصابات المنخفض؛ فنسبة الوفيات تعد الأعلى بحسب المؤشرات المعلنة عالميا في مصر؛ في حين بقي العراق الحالة الأشد استعصاء في المنطقة فمنظمة الصحة العالمية تحذر من تحوله إلى البؤرة الأكبر في المنطقة العربية لارتفاع عدد الإصابات؛ وضعف الإجراءات الوقائية فيه. 

ما يحدث في دول المشرق العربي وبحر العرب كان له ارتدادات مقلقة في الأردن؛ إلا أن ارتفاع الإصابات في دول الخليج يحمل الأثر الأكبر على الاقتصاد الأردني؛ فأغلب المصابين من العاملين في قطاع النقل البري العابر للحدود؛ بلغ يوم الثلاثاء 9 حزيران (يونيو) الحالي (9) إصابات لسائقين عابرين للحدود من منطقة الخليج العربي من إصل 14 إصابة؛ ارتفاع سرع جهود الأردن لإنشاء مراكز للحجر على  المعابر البرية بسعة 400 كرفان بتمويل من الهيئة الخيرية القطرية.

تداعيات اقتصادية

المؤشرات المقلقة لا تقتصر على الجانب الصحي والوبائي في المنطقة؛ إذ أعلن البنك المركزي في الإمارات العربية عن ارتفاع معدل الانكماش الاقتصادي المتوقع إلى 3.6% للعام الحالي؛ إعلان ترافق مع  توقعات بانكماش اقتصادي في منطقة الخليج العربي يفوق الـ 4% وعجز في الموازنة العامة يزيد عن 13% وتراجع إنتاج النفط وتصديره وفق اتفاق أوبك + عظم الضغوط الاقتصادية على الصناديق السيادية في منطقة الخليج العربي وقلق فرص النمو في دول الجوار .

وفي ضوء هذه التطورات لم يكن مستغربا أن يصدر بنك جولدمان أند ساكس تقريرا يتوقع تراجع أسعار برميل برنت خلال الفترة القصيرة المقبلة إلى 35 دولار بسبب عودة منصات الحفر الأمريكية؛ وتراجع الطلب الصيني؛ تقرير دعمه مورجان ستانلي الذي حذر من ارتفاع السريع للنفط لا يدعمه الطلب العالمي فالعالم بحسب جولدمان أند ساكس يعيش على بحيرة من الفائض النفطي تقدر بمليار برميل.

ختاما: المشرق العربي الممتد على ضفاف الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر إلى المتوسط يعاني من ضغوط قوية؛ تارة اقتصادية وتارة وبائية وثالثة أمنية وسياسية لدرجة بتنا نشهد قدرا من عدم اليقين لدى الدول الأكثر استقرارا، فصمود المشرق العربي في وجه الأزمات على مدى الأشهر الست الأولى من العام 2020 يواجه بتحدي القدرة على النجاة في الأشهر الست المقبلة؛ والتي تؤكد التقارير الدولية بأنها ستزداد جموحا في ظل غياب اللقاح العلاج لوباء كوفيد 19؛ وفي ظل انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بأزمتها الداخلية السياسية والصحية؛ فالأشهر الست المقبلة أشهر ضائعة تضاف إلى الأشهر الست الأولى من العام 2020؛ إلا أنها أشد خطورة وضررا من حيث قدرتها على استنزاف موارد الدول العربية المستقرة ماليا واقتصاديا لتفتح الباب أمام تحولات مهمة للعام 2021 . 

المصدر: عربي 21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق