مختارات

كيف حمت السلطنة العثمانية الحجاج والأماكن المقدسة في الحجاز؟

المشروع الكبير للسلطان عبد الحميد الثاني: خط حديد الحجاز

قبل 111 عاما، سعى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى ربط أقاليم الخلافة بالعاصمة إسطنبول، عبر خط سكة حديد، لحمايتها من الدول الاستعمارية التي عملت حينها على إضعاف الدولة داخليا وخارجيا.

ولعل أهم الأسباب التي دفعت السلطان عبد الحميد الثاني إلى تبني ذلك المشروع وتنفيذه رغم تكاليفه الباهظة، هي الأهمية الكبيرة التي سيمثلها في حماية الحجاج والأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وبحسب مصادر تاريخية، اطلعلت عليها الأناضول، فإن الفكرة الأولى لإنشاء خط حديدي في منطقة الحجاز، طُرحت في النصف الثاني من القرن الـ19 الميلادي، من قبل مهندس ألماني ذي أصول أمريكية.

وبحلول عام 1891، أرسل عثمان نوري باشا، القائد العثماني المسؤول عن منطقة الحجاز، تقريرا إلى عاصمة الخلافة إسطنبول، يشير فيه إلى أهمية بناء سكة حديدية بين جدة ومكة المكرمة، من أجل الحجاج.

وخلال نفس العام، وصل تقريرا مفصلا عن المشروع من جانب مدير أوقاف جدة أحمد عزت أفندي، إلى إسطنبول، وأولى السلطان عبد الحميد الثاني أهمية كبيرة بالتقرير، وكلّف مختصين بدراسته.

وشمل التقرير على تصور لإنشاء خط سكة حديدة تبدأ من دمشق، وتتجه نحو المدينة المنورة، ومنها إلى مكة المكرمة.

** أهداف دينية وأمنية واقتصادية

في مايو/ أيار 1900، أصدر السلطان عبد الحميد الثاني قرارا بإطلاق أعمال إنشاء خط حديد الحجاز.

كان من المقرر أن تشمل المرحلة الأولى من المشروع تمديد خط سكة حديدية بين دمشق ومكة المكرمة، ثم الاستمرار لاحقا حتى الوصول إلى مدينتي العقبة وجدة، بل وحتى إلى اليمن.

وتعد الأهداف الدينية، والأمنية والاقتصادية، أبرز الأسباب التي دفعت الدولة العثمانية لإنشاء خط حديد الحجاز.

وقبل كل شيء، تم التخطيط غلى أن المشروع سيساهم في تعزيز حماية الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة، إلى جانب تقوية الوجود الأمني العثماني في منطقة الحجاز.

فعلى الصعيد الديني، ساهم المشروع في تسهيل وصول الحجاج المسلمين إلى الأماكن المقدسة، حيث تتقلّص مدة السفر بين دمشق والمدينة المنورة من 40 يوما إلى 4 أيام، ومن دمشق إلى مكة المكرمة من 50 يوما إلى 5 أيام.

كما حمل المشروع أهمية كبيرة من ناحية توفير الأمان للحجاج ضد ما يتعرضون له من اعتداءات من قبل قطّاع الطرق، فضلا عن حمايتهم من الإصابة بأمراض وآفات مختلفة.

وفيما يخص الجانب الاقتصادي، عزز خط حديد الحجاز من الفعاليات التجارية بالمنطقة، وساهم في إحياء اقتصاد المناطق التي يمر منها.

** تكلفة ضخمة

التكاليف المتوقعة لإتمام المشروع بشكل كامل، كانت حوالي 4 ملايين ليرة عثمانية، ومثّل هذا الرقم حينها حملا كبيرا على كاهل الدولة العثمانية التي كانت تمر بأوضاع اقتصادية وخيمة.

ارتفاع تكاليف المشروع، دفع الدولة العثمانية لجمع تبرعات من المسلمين في مختلف بلدان العالم.

وفي هذا الإطار، أُطلقت حملة لجمع التبرعات، شهدت إقبلا كبيرا في مختلف الأقطار الإسلامية، في مقدمتها، الهند، ومصر، وروسيا، والمغرب، وإندونيسيا، وجنوب إفريقيا، وتونس، والجزائر.

وجاءت أولى التبرعات من جانب السلطان عبد الحميد الثاني، المسؤول عن المشروع، حيث تبرّع بـ50 ألف ليرة عثمانية.

كما تبرّع زعماء مسلمون آخرون للمشروع، مثل أمير المغرب، وشاه إيران، وأمير بخارى، في خطوة أظهرت تعاضد وتكاتف المسلمين عامة حول المشروع.

** تفاصيل التشييد

أشرف مهندس ألماني على الشؤون الفنية للمشروع، وساعده في ذلك 43 مهندسا من مختلف أقاليم الدولة العثمانية، وازداد العدد مع التقدّم في المشروع، بالتوازي مع تقليص عدد المهندسين الأوروبيين.

وعقب إنشائه على مراحل استغرقت 8 سنوات، تم افتتاح خط حديد الحجاز في الأول من سبتمبر/ أيلول عام 1908 بمراسم رسمية شارك فيها السلطان عبد الحميد الثاني بنفسه.

وبلغ طول خط حديد الحجاز حينها ألفا و464 كيلوا مترا.

وعقب افتتاح المشروع، أُطلقت رحلات يومية في كلا الاتجاهين بين مدينة حيفا والشام عام 1909، و3 رحلات أسبوعية بين دمشق والمدينة المنورة.

** تبعات المشروع

إتمام خط حديد الحجاز وعمله بشكل مستقر، مهد الطريق إلى ظهور نتائج عسكرية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية هامة.

ولعب المشروع دورا هاما في النقل العسكري، وإجلاء المدنيين من الحجاز إلى الشام، فضلا عن نقل الأمانات المقدسة إبان الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

كما ساهم افتتاح خط حديد الحجاز، في إحياء القطاع التجاري والسياحي في عديد من المدن التي مر المشروع منها.

المصدر: مجاهد توراتكان / الأناضول

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق